البرودة الجنسية (تتمة)
أما الأسباب النفسية -وهي الغالبة- فيمكن أن تتمثل في التربية المتزمتة والصارمة وخصوصاً فيما يتعلق بالجنس والنقص في المعلومات حول الجنس والخبرات الجنسية الصادمة في أثناء فترة الطفولة واليفوع (كالآثار النفسية الناجمة عن صدمة الختان و الاعتداء الجنسي ومشاهدة الراشدين أثناء الممارسة الجنسية...الخ)، والنمو الطفولي المضطرب والوضع الأسري المفكك و المشحون بالعنف، والخوف من الجنس والمفاهيم الخاطئة حول الأمور الجنسية (كربطها بالخطيئة أو العار و القذارة والنجاسة) و الخوف من الفشل ومن عدم الخبرة والخجل من الذات (مفهوم سلبي عن الذات و الجسد) وقوانين العرف السائدة والإجبار على الزواج، والخجل من الزوج أو من الأهل أو من الأولاد، والخوف من الحمل والغضب من الشريك أو من سلوكه أو من ظروف الحياة والخجل من التعبير عن الحاجات الذاتية و العدوانية المتعلمة من الأم تجاه الرجال والشك بالأنوثة و الخوف من الرفض أو من فقدان السيطرة على الذات وعدم القدرة على الاسترخاء والارتباط اللاشعوري بالأب (صراع أوديبي غير محلول)، وقلة الخبرة من قبل الرجل القليل الاهتمام بالشريك وأتمتة الحياة الزوجية بحيث تصبح رتيبة كالآلة وصراعات نفسية مختلفة (كالرغبة في الحب والحنان و الخوف من التعلق و الخضوع للرجل).
غير أن أي من هذه العوامل بمفرده لا يمكنه أن يسبب البرودة الجنسية ولابد من الأخذ بعين الاعتبار وجود تركيبة متشابكة من العوامل الوراثية والجسدية والنفسية والاجتماعية المتفاعلة التي تتضافر مع بعضها وتقود عند بعض النسوة إلى البرودة الجنسية، في حين أن الأسباب نفسها لا تقود إلى الشيء نفسه عند أخريات. ويتم التأكيد هنا على التأثير المتبادل بين المشكلات الفردية و الزوجية والجنسية؛ فالمشكلات الفردية يمكن أن تسبب مشكلات علاقة (كالعجز السلوكي مثلاً: كالسلوك غير الواثق أو المخاوف أو التكدر الاكتئابي) ويمكن لصراعات الزوجية أن تقود إلى إرهاقات فردية (يمكن أن تقود للاكتئابات مثلاً)، ويمكن للمشكلات الفردية أن تثير مشكلات جنسية (كالخبرات الجنسية غير الملائمة في تاريخ التعلم الفردي) مع العلم أنه يصعب هنا تحديد السبب والنتيجة. وفي حالات متفرقة يمكن للبرودة الجنسية أن تكون عرضاً لشذوذ في الشخصية (سيكوباثية Psychopathia : وهو مصطلح لم يعد يستخدم اليوم أيضاً وحل محله اضطراب الشخصية اللاجتماعية أو المضادة للمجتمع) أو لاضطراب يرجع لأسباب نفسية (العصابية أو اضطرابات ذات شكل عصابي) أو عرضاً لاكتئاب داخلي المنشأ (ذهان Psychosis). وللوراثة دور في هذا المجال أيضاً.
تقود البرودة الجنسية في حالات كثيرة إلى توتر العلاقة الزوجية و إلى صراعات معيقة للحياة الزوجية المستقرة و المُشّبِعَة و خصوصاً عندما تتعارض الرغبات الجنسية بشدة (الرغبة الجنسية الملحة من قبل الرجل في أوقات زمنية متقاربة والصد الذي تمارسه المرأة لهذه الرغبة). كما أن أحساس ومعايشة الرجل لهذه البرودة تقود إلى حلقة مفرغة من الرغبة وعدم الرغبة، من الحاجة للحب والرفض للجنس ومن تبادل الاتهامات و السخرية المتبادلة التي تقود بدورها إلى مشكلات أخرى أكثر شدة. وليس من النادر أن تكمن خلف المشكلات الزوجية الظاهرة على السطح والتي قد تبدو للملاحظ الخارجي مشكلات بسيطة وسطحية مشكلات جنسية غير معبر عنها بصراحة أو غير مدركة شعورياً من قبل أحد الطرفين أو كليهما فتعبر هذه المشكلات عن نفسها بطرق أخرى.
وتعد مشكلة البرودة الجنسية مشكلة معقدة وصعبة العلاج، بل من أعقد المهمات التي تواجه الإرشاد و العلاج الجنسي في الطب النفسي و علم النفس العيادي. إذ تتعلق المعالجة بمجموعة كبيرة من الشروط و العوامل على نحو توكيد المساواة بين الجنسين و الكثير من الحب والصبر و التفهم من الزوج و الإرشاد النفسي الزواجي والجنسي و التوجيه النفسي العلاجي.
وبما أن البرودة الجنسية تعني الغياب الكلي لليبدو (الدافع الجنسي) أو القابلية للاستثارة فإن غياب هذه الاستثارة وعدم التعرف إليها أصلاً لا تولد لدى المرأة الشعور بالمعاناة من فقدان هذا الدافع و الرغبة الجنسية بحد ذاتهما. وبهذا فإن المرأة الباردة جنسياً قلما تراجع الطبيب أو المتخصص النفسي لهذا السبب، وإنما يغلب أن تتم هذه المراجعة تحت ضغط الزوج الذي يعاني من برودة مشاعر زوجته و سلبيتها وتمنعها وصدها له، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن الرغبة الجنسية لا يمكن استثارتها بشكل قهري، إجباري؛ فهي إما أن تكون موجودة أو لا تكون كذلك، والمعالجة الهرمونية لا تكون فاعلة إلا في حالات قليلة فقط. وحتى عندما تثبت المعالجة الهرمونية فاعليتها في استثارة الدافع فإن ذلك يتم من خلال إعطاء هرمونات جنسية ذكورية حيث تقود مع الاستعمال المتكرر إلى نمو الشعر في الوجه وثخانة الصوت وبروز واضح للعضلات. ومن هنا فإن العلاج النفسي يتمركز بالدرجة الأولى على المشاركة الفاعلة للزوجين؛ إذ لا يوجد شريك حيادي في زواج تظهر فيه اضطرابات جنسية. وتقوم غالبية المعالجات الشائعة على أساس من طريقة ماسترز وجونسون التي طوراها بين عامي 1959-1969 أو وفق طرق معدلة عنهما.
ويتألف العلاج في مجموعه من تدريبات متعاقبة بالتتابع يقوم بها الشريكان بين الجلسات العلاجية ومن خلال مراحل مختلفة متدرجة الصعوبة تصاعدياً تتم إعادة تشكيل السلوك الجنسي، حيث يتم تنفيذ مراحل تتعلق بتعلم الإدراك الحسي للجسد باستثناء الأعضاء التناسلية في البداية. والهدف من ذلك هو إزالة الخوف وتشجيع الإدراك الحسي وتعميقه وبناء مشاعر إيجابية و تعلم التخلص من مشاعر الخوف والذنب تجاه الجسد. وعلى الرغم من ذلك فإن النجاح يبقى متوسطاً في الغالب و في حالات كثيرة لا يحدث أي تحسن ظاهر.
مصطلحات بديلة مستخدمة:
- برودة المشاعر
- نقص النشاط الجنسي،
- نقص الدافعية الجنسية،
- خلل الوظيفة الجنسية،
- اضطرابات النشوة،
- فقدان الليبدو.






0 commentaires:
إرسال تعليق